السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
349
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
المصلوب ، وجعلهم رسلا من بعده إلى الناس ، ومتّعهم بوصاياه القيمة كما أشرنا إلى هذا في الآية 13 من سورة يس ج 1 ، ومن أراد التفصيل فليراجع إنجيل برنابا عليه السلام ففيه كل شيء يتعلق بهذا وغيره من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أصح الأناجيل وموافق لما جاء في القرآن العظيم . وفي قوله تعالى ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ ) إشارة إلى رفع روحه وجسده صلّى اللّه عليه وسلم ليلة القبض عليه ، وردّ لمن قال إن الرفع كان للاهوتية ( أي روحه ) دون الناسوتية ( أي جسده ) وفيها إشارة أخرى إلى أنه عليه السلام سينزل إلى الأرض ، لأن المعنى رافعك إلى الآن ، ومنزلك إلى الأرض ومتوفيك فيها بعد على اعتبار التقديم والتأخير في كون الواو لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا ، وقد ألمعنا إلى ما يتعلق بهذا في الآية 66 من سورة الزخرف ج 2 فراجعها . قال تعالى « فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا » بالذل والعار والتشتيت « وَالْآخِرَةِ » بعذاب اللّه الشديد والتبكيت « وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » ( 56 ) فيها يحولون دون ما يحل بهم « وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ » في الدنيا بالحياء الطيبة وبالآخرة بالجنة ونعيمها جزاء إيمانهم وتصديقهم وتحملهم الأذى في سبيل اللّه ، وان من لم يفعل الصالحات ويقتدي بنبيه فقد ظلم نفسه « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » ( 57 ) المتجاوزين حدوده « ذلِكَ » الذي ذكرناه لك يا سيد الرسل من خبر عيسى وأمه ورفعه وإهلاك عدوه « نَتْلُوهُ عَلَيْكَ » لتخبر به قومك لأنه « مِنَ الْآياتِ » الدالة على صدقك « وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ » ( 58 ) المدون في لوحنا المحفوظ المحكم الذي لا يتطرق إليه الباطل ولا يأتيه الخلل ، فذكر به أمتك وخاصة وقد نجران وقل لهم لا تعجبوا من كيفية خلق عيسى بلا أب لأن قدرة اللّه صالحة لأكثر من ذلك ، وقل لهم لينتبهوا « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ » من جهة الخلق « كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » بلا أب ولا أم وجعله بشرا سويا من لحم ودم وعظام وهو أعظم من خلق عيسى وأبلغ في القدرة من خلق حواء أيضا ، لأن التراب ليس فيه مادة من تلك المواد فيكون خلقه أعجب وأغرب من خلق عيسى وحواء لأنهما من مادة فيها تلك المواد المجانسة لمادته ، فلا تستبعدوا على اللّه